السيد محمد تقي المدرسي

43

من هدى القرآن

[ 41 ] وحين ركب نوح عليه السلام وقومه الصالحون السفينة تجلت عندهم روح الإيمان الخالص ، وتوكلوا على ربهم متذكرين اسمي الغفران والرحمة - لله - فبمغفرته يحط ذنوبهم وبرحمته ينزل عليهم بركاته وفضله ( وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) فكل شيء في الكون موجود بالله وقائم بالله ، ويتحرك أو ينمو أو ينطق باسم الله . بيد أن هناك حوادث يتجلى فيها التدبير المباشر لله تعالى أكثر ، مثل سفينة نوح التي صنعها بأمر الله دون أن يعرف منذ البدء ابعاد العملية ، ولا يعرف أين تجري السفينة ، وأين تقف وفي أية فترة ، إنما توكل على الله فيها ، لعلمه أنها في اطار تدبير الله وهيمنته المطلقة على الكون ( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) . بُعدا للقوم الظالمين [ 42 ] وبين لحظة وأخرى تحولت الصحاري إلى بحار مواجة ، وتلاطمت الأمواج الهائلة وكأنها جبال متحركة ، ولاحظ نوح ابنه واقفا في معزل عن الناس فناداه ليركب معه ، وربما أخذته شفقة الأبوة أو رحمة النبوة ، ولكن الابن السيء الحظ رفض لانعدام توكله على الله ، ولاعتماده على المادة الجاهلية ، بسبب تعلقه السابق بها ، وقال سوف التجئ إلى جبل يحفظني من الطوفان ( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ) . [ 43 ] كان ابن نوح ويقال إن اسمه كنعان ، من جملة الذين اعتزلوا المعركة الساخنة بين الحق والباطل ، وأراد ألا يتدخل في القضايا الرسالية ، شأنه شأن الكثير من الجبناء الذين لا يملكون شجاعة الإقدام في سبيل الله . بيد أن مثل هؤلاء سوف يكونون مع الكفار لأن الإيمان وحده هو الذي ينقذ البشر ( قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ ) . [ 44 ] بين عشية وضحاها تبدل وجه الأرض وهلك القوم الظالمون ، وإذا بهاتف الحق ينادي : ( يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ) ، فعادت مياه الأرض التي تفجرت ينابيع إلى مخازنها تحت الأرض ، وتقشعت السحب التي كانت تسيل ماء بأمر ربها ، فأقلعت عن الانهمار وغاض ماء الأرض ، وتحولت بقية المياه إلى الأنهار والبحار كما جاء في حديث « 1 » ، وانتهت القصة كلها ، حيث استقرت السفينة على أرض مرتفعة . . وخلت الأرض من الظالمين الذي لعنوا وطردوا منها بقدرة الجبار .

--> ( 1 ) راجع : بحار الأنوار : ج 11 ص 312 .